عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
59
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
سبحانه وتعالى تطهر محله وخلص من نقائص المحدثات بالتنزيه الإلهي فرجع إليه هذا التنزيه ، وبقي الحق على ما كان عليه من التنزيه الذي لا يشاركه فيه غيره ، فليس للخلق فيه مجال ، أعني ليس لوجه المخلوق من هذا التنزيه شيء ، بل هو لوجه الحق بانفراده كما يستحقه في نفسه ، فافهم ما أشرنا إليه . واعلم أني متى أذكر لك في كتابي هذا أو غيره من مؤلفاتي أن هذا الأمر للحق وليس للمخلوقات فيه نصيب ، أو هذا مختص بالخلق ولا ينسب إلى الحق ، فإن مرادي بذلك أنه للوجه المسمى بذلك الاسم من الذات ، لا أنه ليس للذات ذلك فافهم لأن هذا الأمر مبني على أن الذات جامعة لوجهي الحق والخلق ، فللحق منها ما يستحقه الحق ، وللخلق منها ما يستحقه الخلق على بقاء كل وجه في مرتبته بما تقتضيه ذاته من غير ما امتزاج ، فإذا ظهر أحد الوجهين في الوجه الآخر كان كل من الحكمين موجودا في الآخر ، وسيأتي بيانه في باب التشبيه ، تعالى من ليس بعرض ولا جوهر : يا جوهرا قامت به عرضان * يا واحدا في حكمه اثنان جمعت محاسنك العلى فتوحدت * لك باختلاف فيهما ضدان ما أنت إلا واحد الحسن الذي * تمّ الكمال له بلا نقصان فلئن بطنت وإن ظهرت فأنت في * ما تستحق من العلا السبحاني متنزّها متقدّسا متعاليا * في عزّه الجبروت عن حدثان لم يدرك المخلوق إلا مثله * والحقّ منتزه عن الأكوان الباب الحادي عشر : في التشبيه التشبيه الإلهي عبارة عن صورة الجمال ، لأن الجمال الإلهي له معان وهي الأسماء والأوصاف الإلهية ، وله صور وهي تجليات تلك المعاني فيما يقع عليه من المحسوس أو المعقول ، فالمحسوس كما في قوله : « رأيت ربي في صورة شاب أمرد » « 1 » والمعقول كقوله : « أنا عند ظن عبدي بي فيظن بي ما شاء » « 2 » وهذه
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) الإتحاف 9 / 169 و 221 ، وابن عساكر 5 / 22 ، وبنحوه : أحمد 2 / 315 و 4 / 106 .